الرسالة الأصلية للإسلام

 

فريد قبطاني

بعد الاطلاع على النتاج المعرفي في موضوع العلم والإيمان وقبل تناول مسألة رسالة الإسلام الأصلية أريد أن أنوه بأن أبحاثي تكتسي طابعا علميا وتحظى باعتراف ذوي الاختصاص. على الرغم من ذلك فإن بعضا من هؤلاء ، وهم من التقليديين ، يُبدي تحفظا إزاء بعضَ ما استخلصتُه من أبحاثي وهي العودة كليا إلى التنزيل الإلهي الحكيم كمرجع للإسلام الحق (610-632) واعتبار الموروث الديني التقليدي اجتهادات إنسانية نسبية وليدة سياق تاريخي معيّن لا يمكن اعتباره مرجعا مقدسا لابد من التقيد به ولا يمكن الخروج عنه.

يخاطب كتابي هذا المسلمين بكل تأكيد ولكنه يخاطب أيضا، إن لم يكن أكثر، غير المسلمين؛ وذلك من أجل التمييز بين الحق والباطل ، بين رسالة الإسلام العالمية وكل ما عَلِق به من مغالطات لأغراض يطول ذكرها.

درست القرآن الكريم ، الحديث والسنة والسيرة ، الفقه وعلم الكلام ، كل أصول الدين من أمهات الكتب وعن كبار العلماء الذين يُعتبَرون المرجع للتيار التقليدي. و قد التزمت بمثل هذا المنحى الفكري بشكل معتدل لفترة. لكن حينما تخصصت ودرست بما في ذلك علم التأريخ ، تناولت القرآن بالبحث بإتباع منهج علمي متعدد التخصصات ؛ كم كانت دهشتي كبيرة لما اكتشفت أن رسالة الإسلام كما نص عليها كتاب الله تتعارض بشكل صريح مع الكثير من محدثات الأمور التي تناقلها ودوّنها القدامى في كتبهم والتي صارت أساسا للفكر التقليدي السلفي.

* * *

مفهوم كلمة الإسلام في لغة القرآن هو المسالمة ، ومفهومها في الدّين هو الانقياد لطاعة الله والقبول بأمره. وهذه المسالمة تجعل المرء في حالة من السلم والأمان وتمنحه السكينة والاطمئنان فيُسْلم وجهه لله في سلام. فالإسلام هو تفعيلٌ للسلام والسكينة وإحكامٌ وتحكُّمٌ في اضطراب وهيجان النفس إلى أن يصبح المرء مسلما سليما ومسالما للخلق كله فيأتي ربه بقلب سليم.

ما أشبه السياق التاريخي لظهور الإسلام بالظروف التي نعيشها في عصرنا. وكما هي الحال اليوم ، كان يسيطر على العالم المعروف في أوائل القرن السابع قوتان متخاصمتان هما الإمبراطوريتان الفارسية والبيزنطية. وكانت هناك حضارات وشعوب كبيرة أخرى مثل الهنود والصينيون ، فضلا عن حضارات ما قبل كولومبوس ، فمنها دول غنية ومنها دول فقيرة. كما كانت هناك أيضا شعوب بدائية وقبائل تعيش منذ قرون على نمط واحد لا تطوّر فيه كما هي اليوم وضعية بعض الجماعات التي تعيش على هامش الحضارة…

 

كانت المعتقدات الدينية والفلسفية لدى قبائل الجزيرة العربية متسمة بشيء من البدائية مقارنة بالأديان السائدة آنذاك في بقاع العالم والمناطق النائية من صحراء الجزيرة ، سواء كانت تلك الأديان توحِّد الخالق مثل اليهودية والنصرانية والزرادشتية أو أديان يُنظر إليها أنها تقوم على الاعتقاد بتعدد الآلهة مثل الطاوية والشنتوية والهندوسية والبوذية…

وكانت الوثنية والشرك وعبادة الأصنام سائدة في القبائل العربية لدرجة أن الأصنام التي كانت تمثّل الآلهة أصبحت هي نفسها آلهة ، ورغم أن عُبَّاد هذه الأصنام كانوا يعتقدون بإله الآلهة إلا أن ربوبية هذا الإله لم تكن أولى من ربوبية غيره من الآلهة الصغرى بل وقد تنافسه في عدة مواقف وتُعبد أكثر منه. ولهذا كانت درجة تطور العرب آنذاك متدنية مقارنة بالحضارات العظيمة آنذاك.

* * *

عاش محمد[1] ﷺ ، رسول الله وخاتم النبيين ، في سياق تاريخي وديني وثقافي واجتماعي شبيه بالظروف التي عاش فيها إبراهيم (عليه السلام) ، أب المسلمين ، حيث كانت ممارسة طقوس التضحية بالبشر وخاصة الأطفال أمرا غير ناذر. كما أن الفقر في جزيرة العرب خلال القرن السابع كان يبعث بعضهم إلى قتل أولادهم. وكان غيرهم يئد بناتهم اتقاء للعار لاسيما إن كانت أول مولود ، وكان آخرون يضحون بأول أو بآخر مولود ذَكَرٍ قربانا لصنم وفاءً لنذر قضاه على نفسه. فالإسلام ظهر في صحراء عمّت فيها ظلمات جاهليةٍ مضطربةِ التصورات والعقائد.

بدأ الأمر برجل يدعى « محمد » ﷺ ، يبغض الأوثان وينفر منها ، وكان يلقّب بالأمين. وهو الذي اصطفاه الله عز وجل إذ جاءه المَلَك جبريل (عليه السلام) بالوحي وهو كعادته في كل شهر رمضان منذ خمس سنوات بغار حراء يتدبر في خلق السماوات والأرض. وقد كان يقضي باقي السنة يتاجر بمال زوجته في القوافل عبر الصحراء.

إن الله يجتبي المتواضعين من عباده لكنه يخصّهم بميزات تفردوا بها عن سائر البشر؛ ليكونوا مهبط كلماته فيجعل لهم نورا من علمه ويجعلهم أئمة يهتدي بهم أولوا الألباب. إن الله عز وجل اصطفى محمدا ﷺ ، وهو أعلم حيث يضع رسالاته ، اصطفى رجلا يعيش عيشة طبيعية فأوحى إليه كما أوحى للذين من قبله ، أنه لا إله إلا هو رب العالمين كافـــة ، الأول والآخـــر ، الحـي الـقـيــوم الـذي قــال في الـقـــــرآن الكريــــــــــــــم :

{ وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ (…) 52 }[2] . { وَمَا كُنتَ تَتۡلُواْ مِن قَبۡلِهِۦ مِن كِتَٰبٖ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَۖ (…) 48 }[3].

إن الله اجتبى محمدا ﷺ بأن أتاه النور، العلم المكنون في القرآن ، الفرقان ، كتاب الله ليبلغه للناس كافة. لقد كان محمد ﷺ غنيا بثروة زوجته ، وكان عزيزا بين ذويه وعشيرته حتى أنه سمي الأمين وها هو أصبـح مستـودع الحق وأمـيـنـا عليه ليُبتلى بالخيـر والشـر كما ابتُلي الرسـل والأنبيـاء وأوليـاء الله من قــبــلــــــه : { وَلَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ 4 وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ 5 أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَ‍َٔاوَىٰ 6 وَوَجَدَكَ ضَآلّٗا فَهَدَىٰ 7 وَوَجَدَكَ عَآئِلٗا فَأَغۡنَىٰ 8 فَأَمَّا ٱلۡيَتِيمَ فَلَا تَقۡهَرۡ 9 وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنۡهَرۡ 10 وَأَمَّا بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثۡ 11 }[4].

 

تلقــى محمد ﷺ كتابا إلهيا جديدا ، القـــرآن ، مصدقا لما بين يديــه من الكتب السماويــة ومكمـلا للديـن بعد موكب مـتـواصــــل من الرســــــالات بُعث بها الـرســل إلى أقـوامـهـم. فـبـمـحـمــد ﷺ ، خـاتـم الـنـبـيـيــــن عليهـم الســلام ، اكتمـل الديـن وحُـسِـم الأمــر بأن كُـرِّس الـتـوحـيــــد الخـالــص نـهـائـيــــا.

{مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّ‍ۧنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا 40}[5]. {(…) ٱلۡيَوۡمَ أَكۡـمَـلۡـتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ (…) 3}[6]. {إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ (…) 19}[7].

ظل الشرك راسخـا في جزيـرة العرب وظلت جذوره موغلة في القدم رغـم ذيــوع ديانات التوحيــد قبل الإســلام والتي لم تنجـح في اجتثاثـه. فقد بقي الأمر في جزيرة العرب على حاله حتى جاءت رسالة الإســلام لتُخرِج الناس من عبادة العبـاد والأصنام إلى عبادة الله وحده ؛ فشرَع الشركُ ينكص على عقبيه وهو لا يزال كذلك لاسيمــا في عصرنا مع تقدم العلم حيث أصبــح مدار الحديث بين العلماء خاصة هو التوحيد. { قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ 1 ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ 2 لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ 3 وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ 4 }[8].

{ (…) ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ (…) 3 }[9]. إن هذه الآية هي آخر ما أوحي إلى محمد ﷺ ، إنها ختمة الوحي ليكون الإسلام من حينها أول وآخر دين سماوي ارتضاه الله سبحانه لخلقه. فكل ما أضيف في الإسلام بعد هذه الآية إنما هو وليد الظروف التاريخية والإفرازات الاجتماعية للمسلمين ولا يمكن بأية حال من الأحوال اعتباره من صلب الإسلام. ادّعاء غير ذلك هو الإقرار بأن الدين من بعد ما أنزلت هذه الآية بقي فيه قصور يستدعي الإضافة ، وهو ما يخالف ما تقرُّ به الآية الكريمة وتؤكده.

إن دعـوة الإســلام بدأت في فجر البشرية مع أول إنسـان ، آدم (عليه السلام)، وخُتِمت بمحمد ﷺ خاتم النبيين مرورا بإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ، فقد بقيت رسالة الإسلام الخالص هي هي ، لا تتبدل بتبدّل الرسالات وإن كانت محكومة بظروف كل منها ثم ختمت بنزول القرآن الكريم.

* * *

لئن كان القرآن الذي أُنزل على محمد ﷺ جاء بأول وآخر دين فإن رسالته بقيت هي الرسالة الإلهية الوحيدة التي طالما نشرتها الأديان السماوية الأولى : فالله قد أنعم على الإنسان وكرمه بالعقل ليسير في الأرض وليَدرُس الماضي والحاضر مستنيرا بالعلم والمعرفة وليتدبَّر في ملكوت السماوات والأرض والبحر والحياة والموت وكل كبيرة وصغيرة ، عندها إذاً يعرف الإنسان خالقه ويمكنه أن يشهد أن لا إله إلا الله ، وعندها يعي مغزى الوجود والخلق ؛ فلن يعبد غير الله الواحد الصمد ولن يتضرع لغير الحق عز وجل. حينئذ يعمل الإنسان بعدل وإحسان فلا يسيء ولا يفسد في الأرض وكل ذلك لعلمه بأن الله هو الخالق البارئ.

فكلمة « أمن » و « إيمان » و « تأمين » لها مادة واحدة وهي تتألف من ثلاثة حروف : « أ م ن ». والإيمان يتّصف في لغة القرآن بالعلم والمعرفة فهو ليس إيمانا تقريبيا ونسبيا. إن مسألة وجود الله واضحة بيّنة عقليا ولا يسعنا سوى أن نشهد بذلك ؛ لكن يجب أن تكون هذه الشهادة على علم ووعي ليصبح المؤمن آمنا بعلم من الله سبحانه وتعالى.

{ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ 35 }[10]. { إِنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٍ 41 }[11].

{ فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّيــنِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّــاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَــرَ ٱلنَّــاسِ لَا يَعۡلَمُــونَ 30 }[12]. الإسلام دين العمل الصالح والإحسان والوسط والاعتدال ، إنه دين العلم ومعرفة الله من خلال خلقه. فمن بين ميزات القرآن ، وهي ليست بالهينة ، التي تميّزه عن الكتب التي أنزلت من قبله هي تأكيده على مفاهيــم العلم والمعرفـة. أليس أول ما أوحي إلى محمد ﷺ هو قوله تعالى :  { ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ 1 خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ 2 ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ 3 ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ 4 عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ 5 }[13].

أما أول إنسـان ، آدم (عليه السلام) ، فقد جاء ذكره في القـرآن مقترنا بالعلم : { وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا (…) 31 }[14].

من الواضـح في القــرآن أن الإنسانيــة اقترنت منذ البداية بالعلم. وأول ما تلقاه آدم (عليه السلام) من الله عز وجل هو العلم بالأسماء كلها كما أن أول ما أُمِر به محمد ﷺ هو « إقـرأ« . فالرسالة الإلهية للنـاس أجمعيـن ، منذ البدء إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، هي القراءة والعلم ومعرفة الخلق للوصول إلى معرفة الخالق ، والاستقامة والعــمــل بما يتطلبه الإيـمــان ، أي عـمـل الصالحــــات لأن الإنســـان لا محـالـة مُحاســــبٌ ، ثم يوم الـقـــــيـامـة يقـــــــــــــــول :

{ (…) ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ إِنَّ ٱلۡخِزۡيَ ٱلۡيَوۡمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ 27 }[15]. { وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَٱلۡإِيمَٰنَ لَقَدۡ لَبِثۡتُمۡ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡبَعۡثِۖ فَهَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡبَعۡثِ وَلَٰكِنَّكُمۡ كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ 56 }[16]. فمن اهتمام الإسلام بالعلم وإعلاء شأنه أن أول آية نزلت من القرآن أمرت بالقراءة.

إن إمعان النظر والانتباه لأدنى شيء مما نقول ونسمع ونرى يعني أننا ندرك الأشياء وأنفسنا والغير. أما تفهُّم الأمور وراء ما تدركه الحواس بفكها على الوجه الصحيح فهو إدراك ووعي كلي وشامل. ووراء هذين الجانبين يوجد الحق سبحانه عما يصفون.

وفي القـرآن آيات عديدة تحثّ على التفكر والتدبر وتَذْكر العلماء أولي الألباب : { (…) فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ 176 }[17]. { لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ 21 }[18]. { (…) كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ 24 }[19]. { (…) كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ 219 }[20]. { ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ 191 }[21].

{ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَــابَۚ مَا خَلَـقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَـقِّۚ يُـفَـصِّـلُ ٱلۡأٓيَٰـتِ لِقَـوۡمٖ يَعۡلَمُـــونَ 5 }[22]. { وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِيـــنَ 22 }[23]. { وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰـلُ نَضۡـرِبُـهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ 43 }[24]. { (…) إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ 28 }[25]. { بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِ‍َٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّٰلِمُونَ 49 }[26]. { (…) يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ 11 }[27].

إن إنكار الطابع العلمي للقرآن الكريم هو جهل وتناسي أن الحضارة الإسلامية والعلماء المسلمين هم نتاج ثقافة قرآنية تحثّ على التفكر والبحث العلمي. إنّ تأثير القرآن في فكر العلماء المسلمين وإسهامه في بناء الحضارة حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها.

كل العلماء المسلمين كانوا مؤمنين بالله واليوم الآخر ، نشؤوا وتعلموا في كنف القرآن. تفقه معظمهم في الدّين قبل أن يتخصص في مختلف العلوم. لقد أثروا العلوم بإسهاماتهم وأضافوا إليها إضافات هامة ؛ بعد أن نقبوا واستوعبوا سائر علوم وآثار الشعوب الأخرى. تعتبر انجازاتهم واكتشافاتهم أساسا للبحث العلمي الحديث ، وهي بشهادتهم تمت في ظل المنطق القرآني.

{ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَٱلۡإِيمَٰنَ (…) 56 }[28]. جاء ذكر  » ٱلۡعِلۡمَ  » في هذه الآية قبل « ٱلۡإِيمَٰنَ » لكنهما متزامنان لا يمكن فصلهما. فالواقع أن المعرفة إذا اقترنت بالإيمان تؤول بصاحبها إلى السلام والطمأنينة والقلب السليم ؛ لأن الإيمان بدون بصيرة يبقى رهينة الظروف والأهواء وقد لا تحمد عواقبه كما أثبت التاريخ ذلك.

كل العلماء المسلمين دون استثناء كانوا قرآنيين ، بمعنى : ربانيون بما كانوا يعلّمون كتاب الله وبما كانوا يدرسون ، انتهجوا نهج القرآن اقتداء بالرسول ﷺ ، أما المتطرفون المنحرفون ، سواء القدامى أو المعاصرون ، فجميعهم من أهل التقليد. في عصورهم الزاهرة بالعلوم نقل المسلمون للإنسانية اللبنة الأساسية لجميع المعارف الحديثة. فالإسلام هو الدين الوحيد الذي أقام حضارة علمية. أما الرجعيون والمتعصبون والمجرمون فقد كانوا في كل العصور وفي كل المجتمعات أمراضا لابد للبشرية الوقاية منها وعلاجها.

إن كان الدخول في الإسلام يقتضي شهادة أن لا إله إلا الله ، إلا أن حقيقة الشهادة لا تتمّ إلا بتحصيل العلم ومعرفة الحقائق. متى كُسِبت هذه المعرفة يسكن الإيمــان صميــم العقل والوجدان ويُكْسِب صاحبه التواضــع ليعيش في ســلام وحب الله سبحانــه وتعالى ؛ إذ يعرف المرء من أين أتى وإلى أين هو ماض فيعمل الصالحــات ويميّز بين الخير والشر والحق والباطل.

فالمسلم ذو العلم والمعرفة لا محالة إنسانُ سِلمٍ وسلام ، سمحٌ في معاملاته ، طيب وخيّر وبار بغيره ؛ يؤمن بالله وحده ولا يشرك به ، إله إسرائيل والمسيح ومحمد عليهم الســلام ، إله جميع النـاس بدون تـفـرقـة ، إله السـمـاوات والأرض وما بينهما. إله من في السماوات ومن في الأرض. وبما أن الدين عند الله الإسلام ، فالله يرفع من يشاء ويغفر لمن يشاء. كتب على نفسه الرحمة. رحمته وسعت كل خلقه لا يتحكم فيها أحد غيره. وأؤكد أن هذه ليست نقطة ثانوية. { وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤۡمِنُواْ بِهِۦ فَتُخۡبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 54 }[29].

* * *

القرآن ليس كتابا خفيا مخصصا للعارفين ببواطن الأمور؛ فهو كتاب مُبين للعالمين يجب تلقينه وتعليمه للملأ. ولكن نظرا لطبيعته أي إلى كونه وحيا إلهيا ، فإنه يتضمن عدة مستويات للقراءة تتقارب وتتكامل ؛ لا يمكن لأي تفسير حرفي أو معنوي أن يستعيض عنها. إن المعنى المفهوم من النص هو الذي يتوصل إليه بعد تحليل الخطاب وفق سياقه الخاص والعام ويتم الوقوف على هذا المعنى حينما يتضافرلصالحه أقصى حد من المعطيات. القرآن إذن في متناول جميع البشر الذين يتمتعون بالعقل والمنطق ؛ ولا يستعصي إلا على الصم البكم والعمي الذين لا يعقلون.

يجد القارئ في كتابي عشرات الأمثلة على أن القرآن يولي أهمية خاصة للتفكّر ويدعو إليه ، التفكير المنطقي والبحث عن المعرفة ، ومن ثم معرفة الله. القرآن ليس شريعة أو قانونا في حد ذاته وإنما وحي ، هو دين لأنه يؤسس الصلة بين الإنسان وبين سنن الله في خلقه ، الحق الذي لا يحق إلا بالعلم والإيمان ، بالإسلام والسلام والبرّ والرحمة وفعل الخير واجتناب السوء ؛ تلك هي رسالة الإسلام الأصلية.

وخلافا للكتاب المقدس وأغلبية الكتب الدينية التي تعرض زمنيا وبشكل متسلسل قصة خلق العالم وخلق الإنسان والرسل والأنبياء ، فإن القرآن الكريم ، باستثناء بعض الحالات ومنها قصة يوسف (عليه السلام) ، لا يسرد الأحداث والوقائع بشكل متواتر ومتتابع في سورة معينة وإنما يفصّلها في عدة أجزاء عبر النص بحسب ما تقتضيه الموعظة والهَدْيُ. فالقصد من عرض الأحداث وتكرارها بأساليب مختلفة ليس مفاده السرد التاريخي وإنما العبرة والتدبر والبحث العلمي للتسامي بالنفس إلى الإسلام.

وعلى عكس ما يظن بعضهم ويدعو إليه فإن القرآن ليس كتاب تاريخ ولا قانون مدني أو جنائي بالمعنى الاصطلاحي للكلمة ؛ إذ يتطلب فهمه العميق تحليلا دقيقا متعدد التخصصات جملة وتفصيــلا. فهو الوحي الإلهي وكلام الله الذي يخاطب عقل الإنسـان ووجدانه معا.

{ وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا 89 } [30]، { لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ 21 }[31].

* * *

ومن الصفات التي وصف الله عز وجل بها نفسه ذُكرت عبارة « رب العالمين » اثنتان وأربعين مرة في القرآن ، لتعبّر عن مفهوم عالمية الإسلام وهو الدين الذي يدعو الناس كافة. فالله سبحانه وتعالى ليس رب السماء فحسب ولا رب الأرض فحسب بل هو رب العالمين ، رب السماوات والأرض وما بينهما. ولئن استعصى هذا المفهوم بعض الشيء على المسلمين الأوائـل فإنـه يتجسـد بكل معانيـه على ضوء المعطيــات العلميـة الـحـديـثــة :

{ قَالَ فِرۡعَوۡنُ وَمَا رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 23 قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ 24 }[32] ، { إِنَّ إِلَٰهَكُمۡ لَوَٰحِدٞ 4 رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَرَبُّ ٱلۡمَشَٰرِقِ 5 }[33].

لئن كان العلماء لا يزالون يتساءلون فيما إذا كانت هناك كائنات حية أخرى في الكون في خضم المليارات من المجرات والأنظمة الشمسية فإن القرآن يقرّ ذلك :

{ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ 49 يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ 50 }[34].

* * *

منذ أكثر من أربعة عشر قرنا وفي وسط الصحراء أوحى الله جلّ وعلا إلى محمد ﷺ أن القرآن المنزل هو ذكرى للإنسانية قاطبة ، لا تبديل لكلماته ، حفظه الله من التحريف ومن التغيير. فأهل الاختصاص اليوم يقرّون بأن المصحف الذي بأيدينا اليوم لا يختلف عما وصَلَنا من أقدم المخطوطات القرآنية. { إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ 9 }[35]. ولكن هذا الأمر لا يضمن الوصول إلى فحوى القرآن والمغزى العظيم لرسالته إلّا بسلطان العلم والايمان : { إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٞ  77 فِي كِتَٰبٖ مَّكۡنُونٖ 78 لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ 79 تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 80 }[36] ، { بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ 21 فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۢ 22 }[37].

على عهد رسول الله ﷺ كانت لكل حضارة قيمها الأخلاقية كما كانت مفاهيم الخير والشر مختلفة من شعب لآخر، و لكن منذ النصف الثاني من القرن العشرين بلغت الإنسانية مستوى عال من الحضارة والمعرفة ، كما أن العلوم والتكنولوجيا تشهد طفرة غير مسبوقة. لكن حقيقة الإنسان لا تزال كما كانت أول مرة ؛ فالضعف في أصل بنيته ، ورغم تغير مظاهره بقي جوهره هو هو لم يتغير. لا يزال الفساد والشر مستشرّين بمسميات جديدة كالظلم والتدليس والتـلاعـب بالجماهـيـر والظلاميـة والبـؤس والمجازر وجميع أنـواع الأزمات والتجارة المغشوشة وتدهور البيئـة

وانقراض الأنواع والتلوّث وتغير المنــاخ. { ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ 41 }[38].

اليوم أصبح الإسلام والمسلمون هاجس العالم. ارتبط الحديث عنهم بسياق الحروب والإرهاب والمهاجرين. ففي أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية وفي مناطق عدة من العالم تُستنزف الغابات وتُجفّ البحيرات والأنهار وتدمّر الأراضي والقرى وتُشرّد الأهالي ، كما يعيش الملايين من الناس دون مستوى الفقر المدقع ومئات الآلاف يموتون ضحايا المجاعة والقتل والخطف والاتجار بالأعضاء بالإضافة إلى الملايين من النساء اللاتي يتعرضن للضرب والعنف ومئات الآلاف من الأطفال الذين يقاسون من العبودية … كل هذه الحالات لا يُتحدث عنها إلا حين تبلغ درجة قصوى من الفظاعة أو في مناسبات المباريات العالمية لكرة القدم.

* * *

{ يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ 26 وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا 27 يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا 28 }[39].

تعاظُمُ الإسلام في تزايد مستمر ولو عدديا بحوالي ملياري مسلم عبر المعمورة كما يتضاعف عدد معتنقيه مما سيجعله عاجلا أم آجلا أول دين في العالم. كما أن تقدم الإسلام يتناقض مع انحطاط بعض المسلمين وانحسار شأنهم وهذه المفارقة لا تُفسَّر إلا بالبعد العالمي لرسالة الإسلام الأصيلة التي لا تخضع للتقلبات المختلفة التي يواجهها المسلمون منذ قرون.

{ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ 9 }[40]. لذلك يجب أن ندعو للإســـــلام الذي يسمو بالروح وأن

نرفض الظلامية والتعصب والإرهاب. فمن كان مؤمنا على يقين ومسلما على علم تكون له بالضرورة قيم إنسانية فلا يمكن بأية حال من الأحوال أن يصبح ظلاميا أو مجرما.

أضحى ظهور الدجّال والشعوذة اليوم في العالم أمرا واقعيا ؛ ومن مميزاتهما التظاهر بالفضيلة وبالتقوى. أتباعهما كثير إلى أن يتم الله نوره بالعلم والمعرفة ويزهق الباطل وتندحر قوى الظلام والشر. تَحْت غطاء إسلام مشوّه حرّف الجهلةُ المتعصبون الدينَ السمح باقتراف أبشع الجرائم ضد الله وضد الإنسانية. وبتشويههم القيم العالمية للإسلام أشعلوا نار الفتنة والكراهية بين الناس وزرعوا الفساد والعنف والطائفية. وإن كان من البدهي أن هؤلاء المجرمين الأشرار يستهدفون ويهددون الحضارة الإنسانية جمعاء فإن المسلمين هم أول ضحايا نظرياتهم وممارساتها الفاجعة.

المجرمون لا دين لهم ولا ملّة ، يرتكبون الجرائم ويعيثون في الأرض فسادا. إن الإسلام يدين ويتوعّد كلّ الفجّار المجرمين وأولياء الشيطان. الويل لهم في هذه الدنيا وفي الآخرة. إن الإسلام بريء من الجرائم والفظائع والمجازر التي يرتكبها باسمه وبغير حق المارقون المنحرفون والمجرمون. أولئك هم أولياء الشيطان وأولئك هم المفسدون في الأرض حقّا. إنّ الله لا يحب العــدوان والـمـعـتـديـن ولا الـمـفـسـديــن في الأرض ولا سـافـكي الــدمــــــــــاء والـمـجـرمــيــــن.

تَكْمُن مشكلة الإرهاب الذي يُرتكب باسم الإسلام في العقيدة الظلامية العنيفة التي تحث على التعصب وتدعو إلى الكراهية والقتل. هذه المعتقدات القائمة على البدع المخالفة لتعاليم الإسلام الأصلية والخائنة لها هي التي تؤثر على الجهلة وذوي العقول الضعيفة وتجعل منهم مجرمين عتاة. يجب علينا تبليغ وتعليم وتوعية المسلمين برسالة الإسلام الأصلية التي تحمل العلم والتقدم والتسامح والسلام والحضارة.

الإحسان والخير من حقيقة الإيمان. أما الشقاق فمن الوحشية والعنف. فالرسول ﷺ لم يخُض طول حياته حروبا هجومية أي عدوانية إجرامية ، وما كان مضطرّا على خوضها كانت كلها دفاعية وناذرا ما كانت وقائية. أما الذين جاؤوا من بعده وسلكوا نهجا مختلفا فهم يتحملون مسؤوليته أمام الله وأمام التاريخ. فرسالة الإسلام الأصلية إنسانية وعالمية بينما العقائد التقليدية الموروثة تفضي إلى الطائفية والانطواء على الذات. الرسالة الأصلية للإسلام هي تعاليم الله رب العالمين ؛ أما العقائد التقليدية المتحجرة فهي كل ما يتشبث به المتعصبون والمذهبيون وضيقو الأفق.

لقد بلغ التنافر وتمزيق الشمل بين أهل الضلال مبلغا بعيدا فهم يتقطّعون أمـرهـم بـيـنـهــم ، كل حزب بما لديهم فرحون ، وكل منهم يصرخ بكلمة « الله أكبر » ، وكل منهم يدّعي الدفاع عن الإسلام الحق وهم في غمرة من الجهل الذي آل بهم إلى الانحدار إلى مدارج الظلمات والخرافات والعنف حتى أصبح العديد منهم رهينة معتقدات بالية أكل الدهر عليها وشرب. فماذا يـبقــى بعد ذلك إلا قول « لا حـول ولا قـوة إلا بالله العلــي الـعـظـيـــــــــــــــــــم ».

{ قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ 77 }[41].

وعلى سبيل المثال نذكر إحياء يوم عاشوراء عند المسلمين. فهو يوم عيد لبعض المسلمين يَشِيع فيه الفرح والبهجة والسرور وفي الوقت نفسه يوم حداد وحزن لمسلمين آخرين يُعذِّبون فيه أنفسهم. لا يعقل أن يكون هذا اليومُ يومَ فرح وسرور ولا يوم كرب وعذاب. يجمع المؤرخون المسلمون بلا استثناء على أن مسلمين مزعومين قتلوا الحسين حبيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحفيده وقطعوا رأسه في يوم عاشوراء (10 محرم 61 هجرية/10 أكتوبر 680 ميلادية). فمن يا تُرى من أمّة محمد r يمكنه أن يبتهج ويفرح في ذلك اليوم ؟ وبالمقابل كيف يمكن لمسلم أن يعذّب نفسه في ذلك اليوم تِذكارا لمقتل الحسين وللتنكيل بآل بيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟ أي نص قرآني يتبعه هؤلاء وأولئك ؟ إن يوم عاشوراء يوم يجب أن يكون مناسبة للتدبر والتأمل في تاريخنا لنعتبر عسى أن يكون لنا غد أفضل.

أما فيما يخص الأعياد ، أعياد ميلاد الأنبياء ومن والاهم عليهم السلام ، لم يعهد أن أنبياء الله موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام قد احتفلوا بعيد ميلادهم. ولم يعرف أن اليهود والمسيحيين أو المسلمين الأوائل قد أحيوا حفلات احتفاء بميلاد أنبيائهم. وإذا تتبعنا تاريخ الأديان فلا نجد أثرا يدل على أن الرسل قد حثوا أتباعهم على إقامة ذكرى لمولدهم بل هو أمر محدث. لكن مع هذا لا بأس من إحياء هذه الأعياد ما دامت لا تكتسي طابعا مقدسا.

كان الرسول ﷺ يعيّن ويرسل موفدين ومعلمين لتبليغ التوحيد الذي جاءت به رسالة الإسلام. ولكنه لم يعيّن سلطة دينية ولا حكومة ؛ ولا شخصا على وجه التحديد وبشكل مؤكد وقطعي لممارسة سلطة سياسية أو دينية أو كلتيهما من بعده. فالإسلام الأصلي لم يُضْفِ إذاً صفة الشرعية على إقامة مؤسسة أياً كانت صورتها وأيا كانت طبيعتها ؛ العقائد التقليدية هي التي شرّعت ذلك ولا زالت تشرّعه إلى يومنا هذا. الإسلام ينقل فلسفة الحياة ؛ أما التقاليد فتنقل أيديولوجية نظام. فالإسلام لا يمكن أن يمثله رجال الدين ولا أية سلطة دينية بل ولا أية مؤسسة تابعة للدولة. أما علماء الدين الإسلامي فليست لديهم سوى صلاحية واحدة هي الإدلاء بآرائهم. وقد روي أن رسول الله ﷺ قال : « الدين النصيحة ».

بعد وفاة الرسولﷺ (632) وفي ظروف تاريخية يطول سردها هنا ، أدت أحداث ووقائع بالكثير إلى التشريع في جميع المجالات ، ففسّر بعضُهم القرآن وسنة الرسولﷺ وفقا لما رآه صحيحا من وجهة نظره ، وبالغ آخرون ففسروهما تبعا لأهوائهم ومصالحهم. ونتج عند المسلمين عن ذلك كله ما يُعرف بالتشريع والشريعة وعلم الكلام والفقه. واليوم يجب علينا أكثر من أي وقت مضى أن ندرس ونبحث بالتفصيل وبعمق وبطريقة علمية وموضوعية تاريخ الإسلام في عهد الرسول ﷺ وما آل إليه بعد وفاته ، وكيف نشأ علم الفقه وعلم أصول الدين لدى المسلمين ، كي يتسنى لنا العودة إلى حقيقة رسالة الإسلام في صورتها الأصلية.

{ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلّها (…) }[42]. ليتفكر الإنسان ويعقل ويتدبر الأمور ويشرّع تبعا لذلك. فشريعة الله الوحيدة التي لا تتبدل ولا تتغير هي السنن الجارية الثابتة مثل قوانين الفيزياء المضطردة منذ أن خلق الله الكون ، لا غير. وكل ما عداها مـرهـون بالـزمـــان والـمـكــان والأسبـاب والغايات. لكن الجـهـلـة وأهــل الـتـطـــــــرف هم كما جــاء وصـفـهـم في قولــــــــه تـعـالـــــــــــــى :

{ (…) لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚأُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُون 179 }[43].

فالمسلم الذي أوتي نصيبا من العلم يدرك أن القرآن وحده وحي إلهي ، أما سواه فهو من اجتهاد البشر ، أي أنه عرضة للصواب والخطأ. والقرآن يؤكد صراحة على حرية الرأي والتعبير بل وحرية المعتقد ؛ فحينما قال الله جلّ وعلا للملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة : { قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ }[44]، جاء الرد الإلهي بالحجة دون تقريع ولا تعنيف : { إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ }[45]. وهذا يجري على إبليس أيضا ، فالقرآن يذكر كيف أذِن له الله سبحانه وتعالى باختيار المعصية بل وبالتصريح بعصيانه وتبريره. من هذا الموقف وفي الكثير من آيات القرآن يستنبط موقف الإسلام الصريح من حرية الاعتقاد والتعبير.

إن الحرية جزء من مقومات الإنسان الأساسية وهي ليست حكرا على الإنسان الغربي. ناشد الحرية وهتف بها كل المضطهدين والمستضعفين في الأرض ، من سائر الأقوام والشعوب عبر تاريخ الإنسانية. وقد ساهم كفاح الشعوب المستعمرة والنهيبة والمستعبدة في ترسيخ وإقرار هذا المفهوم النبيل للحرية. فالحرية وثيقة الصلة بتطور الإنسان ورقيه.

إن البلدان التي يقال عنها « إسلامية » هي آخر من ألغى الرقّ ، وذلك التخلف في حق البشر يبرهن على مدى تناقض الإيديولوجية التقليدية مع تعاليم القرآن الكريم وسلوك الرسول ﷺ التي تحث على عتق الرقيق. كما أن التقليديين الذين يخرجون الآيات القرآنية عن سياقها ، المرتبط بظروف العصر والمكان والأسباب والغايات ، يدعون إلى إبقاء المرأة تحت وصاية الرجل ؛ وكثير من المسلمين يصدقون للأسف خطابهم دون تمييز ولا يزالون متخلفين فيما يتعلق بتحرر المرأة. وهذا يتناقض تماما كذلك مع فحوى القرآن والرسالة الأصلية للإسلام.

جميع البشر، رجالا ونساء ، يولدون ويظلون بالضرورة أحرارا وسواسية في الحقوق أمام الله حتى يوم القيامة ؛ إن القراءة التحليلية للقرآن الكريم لا تدع أي مجال للشك في هذا الشأن ، لكن التقليديين الضالين الذين يعرّفون الكلمات بتشويه معانيها وإخراجها عن السياق القرآني شأنهم شأن اليهود والمسيحيين الذين يروّجون أن المرأة هي التي ارتكبت الخطيئة الأولى ، بل إنهم ينقلون ذلك حرفيا من كتبهم المقدسة[46].

وللبرهنة على أن المرأة ليست مساوية للرجل وعلى وجوب أن تكون تحت وصايته ، يؤكد التقليديون الضالون ضمن ادِّعاءات أخرى أن الله لم يجعل نساء أنبياء. أيمكن تخيل نساء نبيات ينشرن الدعوة وسط قوم غلاظ لا يحكمهم قانون ولا دين ، يتحاربون ويتقاتلون ، ويضحون بالأطفال ويناصبون المرأة أشد العداء ، قوم لم تكن للمرأة قيمة عندهم في أي وقت أكثر من قيمة المتاع ؟ وإذا علمنا ما يعانيه كثير من النساء في عصرنا الحاضر، فبأي كلمات يمكن أن نصف الظروف الفظيعة التي كانت تعيش فيها النساء منذ عقود وقرون وآلاف السنين ؟

* * *

فأصحاب البدع يشوّهون الإسلام ، دين التوحيد والمعرفة وحرية الاعتقاد وحرية الاختيار والتسامح والمسالمة ليستحدثون منه عقائد ظلامية ومتخلّفة وبغيضة وعنيفة. لكن الرسالة الأصلية للإسلام والمضمنة في القرآن تدعو إلى غير ذلك ؛ فالمعاملة السمحة هي القاعدة في التعامل الاجتماعي فحتى عند مـخـاطـبـة طاغيـة مثل فرعون ، أمر الله موسى وهارون عليهما السلام بالقول اللين { ٱذۡهَبَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ 43 فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ 44 } [47] فبهذه الآية ، وأمثالها كُثْرُ ، لابد أن يقتدي المسلم. مثال آخر يدل على المرونة والمسالمة في الإسلام ، فإذا كان دخول المساجد محظورا عموما على غير المسلمين ، فإن الرسول ﷺ كان يستقبل اليهود والنصارى وغيرهم في المسجد.

يشير القرآن الكريم بكل وضوح إلى أن العنصرية هي أول خطيئة ارتكبت بحق الناموس الإلهي وأن الشيطان هو أول من ارتكبها ؛ إنّ الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا : { قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }[48]. ومن ثَم كل من ادّعى أنه خير من غيره عِرقا ونسبا ونظر إليه بازدراء فهو بذلك يتّبع خطوات الشيطان ، فالله يعلم أن العنصريين كثيرون في جميع أنحاء العالم وقد جعـل التفاضل بين النـاس مقترنا بتقواهم لا بأصولهـم أو أنسابهـم

{ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ } [49]. وكل عاقـل يدرك أن المرء يمكن أن يعلو في مقـام ويُعلى عليـه في مقــام آخر { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ 132[50].

يبدأ كلّ عرض بمقدمة يتبعها توسيع لينتهي بخاتمة. والقرآن يتبنىّ هذا المنحى إذ يستهل بسورة الفاتحة ليتوسع في معانيه ومضامينه ابتداء من السورة الثانية ، سورة البقرة ، ويختتم بالسور القصار التي يعود معظمهما إلى بدايات نزول الوحي للدلالة على مدى أهمية التأويل بالرجوع إلى الأصل.

خلافا لما استقر عليه الأمر بعد عهد الرسول ﷺ ، ليست هجرته إلى المدينة المنورة (622) هي بداية التقويم الإسلامي ؛ فهذا التقويم يمكن أن يستنبط  من  القرآن  { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْر [51] ،  أي مع بداية

نزول الوحي (الآيات الخمس الأولى من سورة العلق) سنة 610. ورسالة الإسلام الأصلية تشمل كل مدة الوحي (610632) بينما يفضل التيار التقليدي والمعتقدات المتوارثة التمسك بالتقويم الهجري والاعتماد عليه. يقرّ جميع المؤرخين المسلمين ، بما فيهم التقليديون أن التقويم الهجري تم إحداثه (638) بعد عهد الرسول ﷺ. بينما يتحدث القرآن الكريم عن تاريخ ليلة نزول الوحي (610). فالحس السليم والمنطقي يقضي بأن يُحَدَّد التقويم ابتداء بأهم حدث في الإسلام أي نزول الوحي ؛ فالإسلام لم يبدأ مع الهجرة وإنما مع بداية نزول القرآن المجيد.

إن تبنّي التقويم الهجري بعد عهد الرسول ﷺ له انعكاسات هائلة ذات طابع سياسي وديني وفقهي. فقد أتاح ولا يزال يتيح للتقليديين دعم عقائدهم زيفا وزورا إذ يفضلون الآيات المدنية (التي نزلت بعد الهجرة) على حساب الآيات المكية (التي نزلت قبل الهجرة). يقول الله تبارك وتعالى : { (…) أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ (…) }[52].

بعد وفاة الرسول ﷺ سنة 632 م والفتنة الكبرى (656-680 م) وخلال قرون كانت الأسباب التي نجمت عنها الخلافات والصراعات والعداوات بين المسلمين سياسية محضة ثم تعقّبها ترجيح وتقديم مرجعية سنة الرسول ﷺ وأحاديثه اللذَيْن جُمِعا ودُوِّنا في سياق تلك الصراعات الحادة ولخدمتها. فقد لعبت تلك الخلافات دورا هاما في العناية بجمع وتدوين الأحاديث والروايات المنسوبة لرسول الله ﷺ وتوظيفها انتصارا للمذاهب والنحل وردا على الخصوم. كل فرقة تفهم القرآن وتؤوّله بمنظار ما تعتدّ به من الحديث والسنة. ونظرا لاختلاف تلك الأحاديث والروايات ، والتي كثيرا ما تكون متناقضة ، اختلفت تأويلات القرآن ونتج عن ذلك خلافات عقائدية وفقهية أصلها اجتماعي وسياسي ليس إلا. فلا يزال النقاش دائرا بين المؤرخين والمحدثين بشأن قيمة تلك الأحاديث ، أصحيحة هي أم ضعيفة أم موضوعة. ومع هذا راجت وانتشرت تلك الأحاديث بين الناس ونالت قيمة هائلة لدى الكثير من المسلمين حتى فاقت قيمة القرآن الذي أصبح مهجـــورا

{ لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا 29 وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا 30 }[53]. وأصبحت هذه الأحاديث هي الباعث الأول على تفرقة جمعهم وتشتت شملهم.

إن مصنفات السنة والحديث قد دونت في فترة تتراوح بين قرن ونصف وقرنين ونصف بعد وفاة رسول الله ﷺ والدراسة العلمية تُثبِت أن الكثير من هذه الكتب لا يضمن بشكل مقنع صحة محتواها ولا مدى وثوقه ودقته. فهذه المصنفات تعتمد على الروايات بالسند ولا تعرض الحقائق التاريخية إلا بطريقة تقريبية. ويجب التنبيه هنا إلى أن الأحاديث كانت تُعد ببعض المئات[54] في بداية جمعها ثم تفاقم عددها بعد أقل من قرن لتُعدّ بالآلاف. كما أن دراسة السند تُبيّن أن أقدم الأحاديث ظهرت في أواخر القرن السابع[55] للميلاد وأوائل القرن الثامن تزامناً مع انتهاء الفتن والحروب الأهلية. ففي هذه الفترة نشأت التيارات السياسية والفكرية والعقائدية والكلامية والفقهية والتي أصبحت أساسا لكل المذاهب الإسلامية وأصبح الموروث الديني للمسلمين امتدادا لها.

لعبت الأحداث والظروف التي مر بها المسلمون بعد وفاة الرسول ﷺ دورا مهما في انتشار مدونات الحديث والسيرة. فهذه النصوص تمثّل الرواسب والمفاهيم الأيديولوجية والسياسية والاجتماعية لتلك الفترة. لذلك يوظّف أعداء الإسلام من داخله وخارجه هذه الكتب ذات المضامين غير اليقينية لما يخدم أغراضهم ومقاصدهم فيشوّهون بذلك صورة الإسلام. ولاشك أن ثمة روايات وأحاديث تعطي تفسيرا فجّاً للقرآن يتناقض مع صريح نص الآيات كما تعزو إلى الرســول ﷺ أقوالا وتصرّفــات تتنافى وشخصيته وتناقض رسالة الإسلام الأصلية.

المتعصبون المحسوبون على الدين يلتمسون أفكارهم من التقاليد التي لم يأت بها الإسلام البتّة بل أفرزها تاريخ المسلمين. علينا إذاً أن نسعى إلى نشر رسالة الإسلام الأصلية وتعليمها كما جاء بها الرسول ﷺ لتمييزها عن تقاليد المسلمين التي أنتجتها ونصبتْها الظروف السياسية والاجتماعية والتاريخية التي غرقت فيها الفرق الإسلامية خلال عدة قرون حتى أصبح من الصعب التفريق بينها وبين الدين الإسلامي السمح المبني على التوحيد والداعي إلى الإصلاح والبر والإحسان والتسامح والمسالمة.

فالظلاميون المنغلقون فكريا والمجرمون والذين يكرهون الإسلام يوهمون الجهلة بأن الإسلام مرادف للكراهية والعنف. فهذا يخدم خطابهم المثير والدنيء ويثير العداوة والبغضاء ويوقع الفرقة ؛ فيشجع بذلك على حرب الحضارات. إذا لم نحذرهم فالنتيجة ستكون الفوضى.

{ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ 90 }[56] ؛ { وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ 105 }[57] ؛ { (…) وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ 31 مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۢ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ 32 }[58].

على الرغم من هذه المعاني السامية التي تضمنتها مثل هذه الآيات تفرق بعض المسلمين إلى فرق وملل وتقطّعوا أمرهم يكفّر بعضها بعضا غلوّا وظلما ، واضعين خلف ظهورهم رسالة الإسلام الأصيلة ؛ فأوّلوا القرآن وأخرجوا النصوص عن مدلولاتها بل واعتمدوا دونه على روايات غير موثوقة ما أنزل الله بها من سلطــــان نـسـخــــوا بها كــلام الله « فلا حــول ولا قــوة إلا بالله العـلـــــي الـعـظــيـــــــم ».

{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ 8 }[59].

المؤسف للغاية مَثَلُ الشخص الذي ينصت ولكنه لا يسمع شيئا ، يتعلم لكنه لا يفهم شيئا ، يعتقد أنه يعرف لكنه لا يفقه شيئا ، يرتجل في عمله لكنه لا يتقن شيئا ؛ في نهاية المطاف لا يفلح سوى في التذاكي ؛ حتى يُفني حياته في خدمة باطله ، حياة بكاملها تسري في عجلتها اليومية.

أنا مسلم ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أي أن الدين عند الله هو الإسلام ، إسلام الوجه لله والانقياد لطاعته والقبول بأمره. أنا لا أشهد أن أبا بكر أو عمر أو عثمان أو عليا رسل الله. إنما هم مسلمون من أصحاب الرسول ﷺ ، أصابوا وأخطأوا ، وليسوا معصومين من الخطأ. الله وحده منزه ومطلق أدعوه هو ولا أشرك به أحدا. أنا لا أنتمي إلى أي مذهب ديني أو فقهي بالتحديد ، وهذا لا يحول دون إحساسي العميق بأن من واجبي أن أدافع عن المسلمين ، وأنا واحد منهم ، على اختلاف مآربهم ومشاربهم ؛ وأرفض بشدة إيقاع مزيد من الفرقة بينهم. أقف ضد الذين يفرقون بين الناس ويوقعون الفتنة بينهم ، أيّاً كانوا. الله لا يحب العدوان ولا المعتدين. هو يحكم بينهم وهو على كل شيء شهيد ؛ ولا أحد سواه يمكن أن يقول من يدخل الجنة ومن يدخل النار.

المؤمن يعتقد أن الله هو الحق ، الحقيقة التي تعلو على كل شيء ؛ لا أحد سواه يملك الحقيقة المطلقة. كل له حقيقة خاصة به ، فآراء الناس حول الحقيقة تختلف باختلاف وجهات نظرهم حولها ؛ ومع ذلك «  الحقيقة تتسم بالوحدة ليس إلا ، بينما النقض والبدع تلجأ إلى السهولة دائما ولا تستهدف إلا صغائر الأمور«  (موريشيوس بلونديل\1861-1949). الحقيقة هي المعرفة المعترف بها كحق وبأنها موضوعية مطابقة للواقع وهي بهذه الصفة تكتسب قيمة عالمية ومطلقة ونهائية ؛ إنها معيار ومبدأ الاستقامة والحكمة عند الكل كمثل أعلى في نظام الفكر أو العمل أو كليهما.

بعض من العقائد الفقهية السياسية الموروثة من تاريخ المسلمين بعد وفاة الرسول ﷺ تخالف رسالة الإسلام الأصلية نفسها. ومع ذلك يعتبرها الكثيرون للأسف حقائقا ثابتة وباقية إلى يوم الدين. لم تعد رسالة الإسلام الأصلية وقيمه العالمية هي التي تُعلَّم وتُعزَّز في المقام الأول ، إنها محجوبة أو منسية ، إنما الذي يُعلَّم هي عقائد مبنية على طقوس من عصر أكل الدهر عليه وشرب حيث يُنظر الى آفاق المستقبل بمنظار الماضي البعيد ! الإسلام لا يحتاج إلى إصلاح ، وإنما يجب غربلة التراث ونزع صفة القدسية عنه. عِوض تدريـس الدين الحنيــف يُدَرَّس الـتـراث الديني على أنه الإســلام بزعمهم ، فأين نحن من { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار 191[60].

أغلبية المؤسسات الدينية الراهنة تنشر المعتقدات التقليدية البالية وتشجع على التمسك بالطقوس الجوفاء والانصياع الأعمى لها ؛ فليس من أولويات هذه المؤسسات ترجيح كفة رسالة الإسلام الأصلية التي جاء بها القرآن وبلّغها الرسول ﷺ على كفة العقائد المبنية على التقاليد التي ظهرت بعد وفاة الرسول ﷺ وترسخت كديانة منذ ذلك الحين. لقد آن الأوان أن يقوم المسلمون بهذا التمييز ويسترجعون المعنى الأصلي للإسلام فيصلحوا أنفسهم وفقا لذلك.

الإسلام كما جاء به الرسول ﷺ والمذكور والموضح في القرآن الكريم يجب أن يكون المرجع الأساس لكل مسلم جدير بهذا الاسم. هذا الإسلام مرادف للعلم والمعرفة والتسامح والتقدم. أما التيار التقليدي فهو إيديولوجية مرادفة لماض متجمد في التاريخ ، أصبح ماضيا ولن يعود ، التاريخ يتقدم ولا يعود للوراء مهما فعلنا ، إنه ناموس الله عز وجل. وعلاوة على ذلك فمآل العقائد المبنية على التقاليد هو الركود الفكري والخرافات والتقديس الأعمى والعقائد العمياء والدخول في قوالب متكررة والجهالة والظلامية ؛ كلها شرور يجب اجتنابها.

راح المقلدون ، على حساب القرآن والفكر والعقل ، يروّجون للأحاديث والأقوال المنسوبة إلى الرسول ﷺ انتصارا وتعصبا لمذاهبهم وأهوائهم وتأويلاتهم للقرآن الكريم دون مراعاة الرسالة الأصلية للإسلام ودون الانتباه للظروف التاريخية والاجتماعية أو الأحداث التي أفرزت الموروث الديني للمسلمين على الرغم من أن الله قد أنذر : { وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ 3 إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ 4 }[61].

هذه الآيات تثبت بأن كلام رسول الله ﷺ يقينا إنما هو الوحي الإلهي لا غير. فعبارة  » قل » قد وردت 332 مرة في القرآن الكريم[62]. وهذا الأمر الإلهي المكرر عدة مرات هو من صلب الخطاب القرآني لتبليغ رسالته التي لا تنضب. فما قاله الرسول ﷺ بالتأكيد وباليقين هو ما أمره الله بقوله وحيا وهو في القرآن شاف كاف. { تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۢ بَعۡدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ يُؤۡمِنُونَ 6 }[63].

أما سنّة الرسول ﷺ من أفعال وسلوك فهي صحيحة بالتأكيد واليقين في القرآن الذي يصفه بالحكمة والرأفة والرحمة والخلق العظيم. فالقرآن سرد لنا ما أمر الله به رسوله ﷺ من قول وفعل وتبليغ رسالة ربه كما نقل لنا أسلوبه في تدبّر الأمور وتسييرها ، بل يصف القرآن سيرة الرسول محمد ﷺ حتى مع آل بيتـــــه ومع زيد ومع المؤمنيــــن ومع الناس كافـة بما في ذلك الزواج والطلاق. وقد ذكرت كلمة « السنّة » ست عشرة مرة[64] في القرآن ، كلها مرتبطة بالله أو بالأولين ، ولا يمكن العثور في القرآن ، على الإطلاق ، عن كلمة « سنة » مرتبطة مباشرة بالرسول محمد ﷺ.

لذلك إذا ثَبتت صحة حديث أو سنة نبوية علميا يجب اعتبارها في الإطار السياقي التاريخي الذي نبعت منه. فالمتعصبون الذين يدّعون التدين يستلهمون مواقفهم من التقاليد التي تقترن بتاريخ المسلمين لا من الإسلام نفسه. يجب إذاً أن نتحرك للإخبار وتعليم ونشر رسالة الإسلام الأصلية ، كما عرفت في عهد الرسول ﷺ ، المعرفة والتوحيد والإيمان والصلاح والبر والإحسان والتسامح والمسالمة ؛ والتمييز بينها وبين الإسلام المحتجب بالتقاليد والذي نسجته وكوّنته وأسسته الظروف الفقهية السياسية والاجتماعية والتاريخية التي اختلطت برسالة الإسلام الأصلية.

إن الدين عند الله هو الإسلام ، والسلام كما ينصّ القرآن جوهره ومن أهم مبادئه وقيّمه : { يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ }[65]، أما التيار التقليدي فهو إيديولوجية نتجت عن تاريخ المسلمين بعد وفاة الرسول ﷺ ولا يمكن عدّه أصلا من الدين. وفي ظل الظروف الراهنة ، الخطيرة والمثيرة للقلق في مجتمعنا الحديث ، أرى أنه من واجب جميع العقلاء تشجيع ودعم وتعزيز الأعمال والمؤلّفات العلمية المتعلقة برسالة الإسلام الأصلية.

والمدرك للأمور واع بأن الإسلام الأصيل هو الأكثر قدرة على مواجهة الأيديولوجية التقليدية بكفاءة علمية والتصدي لها ؛ وهذه الأيديولوجية هي سبب أسباب الجهل والتجاهل والتخلف في مجتمعنا ، وهي التي تتناقل الكثير من محدثات الأمور التي أنتجت الأفكار والأفعال الشائنة. المغرورون يُحْدثون ضجيجا ؛ ولكنك عندما تعرض موضوعا بطريقة علمية وبتمكّن ، يرتبكون وينكصون على أعقابهم ولا يبقى لديهم إلا عرض باطلهم.

إنّ الإيمان بالله تعالى والعمل الصالح متلازمان تلازمًا وثيقا. على المسلمين الالتزام بمبدأ البر والإحسان ورعاية الحرمات وشجب كل ما يسيء للإسلام ويشوه سمعته وردع المخالفين الذين ينشرون العنف والشحناء. ينبغي على المسلمين النهوض لتعزيز عظمة الإسلام الأصيل ، على مرأى العالم ، بكل قيمه السامية ومقوماته الحضارية كالعلم والسلم والحرية والتسامح.

* * *

لِـنـلْـتـزِم إذاً بالقـرآن الكريــم وهو كتـاب الله للناس كافة. ولكي نفهم الـقــرآن على الشكـل الصـحـيــح لامناص من تدبر الآية الكريمــة :  {هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ 7 }[66].

تنص هذه الآية على معاني دقيقة وعميقة ، سيما حينما يتناولها العالم المجتهد في السياق القرآني ؛ إذ ثمة مستويان من الفهم والتحليل على قدم المساواة من الأهمية ولا غناء عن كليهما ، أحدهما على مستوى المقطع أي الجملة والآخر على مستوى السياق ككل أي الجمل فيما بينها. فالمستوى الأول يخصّ فحوى الكتاب نفسه وجوهره وهو ثابت لا يتغير بتغير الزمان والمكان ، فهو لب رسالة الإسلام الأصيلة. أما المستوى الثاني فيخص أشكال وسبل تطبيقه التي يمكن أن تتخذ عدة أوجه حسب ظروف الزمان والمكان والأسباب والغايات وفقا للسقف المعرفي والحضاري لكل جيل ولكل بيئة.

تحتاج قناعتنا أحيانا إلى إعادة النظر وإلى تقييم جديد وربما إلى إصلاح للوصول إلى حقيقة معنى قضية ما. يذكر القرآن مثلا القصاص في زمان كانت تعيش فيه مجتمعات متخلفة وبدائية ؛ وعلى هذا الأساس يرجح القرآن الكريم أسلوب القص « narrative » (القدرة على القص والعمل تبعا لذلك) لدى { الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ } [67]. إن مستوى المعرفة والحضارة الذي بلغته مجتمعاتنا الحديثة لا يسمح لنا على الإطلاق بالتصرف الغريزي وبروح الانتقام ، وإنما بعدالة ووقاية وبأسـلــوب متحضـر. يـقــــول الله تبـــارك وتعــالـــــى : { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }[68]. ما لم تفرغ قلبك من الغيظ والضغينة لن تستطيع أن تملأه بحب الله وتنشره في خلقه.

مثال آخر وبغض النظر عن التقاليد ، هل يوجد في القرآن نص يلزم المسلمين بالتضحية بالحيوانات أيا كانت الظروف ؟ بكل تأكيد لا. كلمة « الهدي » باللغة العربية يمكن أن تكون لها معان كثيرة ترتبط بظروف الزمان والمكان والأسباب والغايات. إنه المصطلح المستخدم في القرآن فيما يتعلق بالحج ، بينما كلمة « ذبح » استخدمت في ما يخص تضحية إبراهيم (عليه السلام) ؛ الفارق كبير وهو مقصود من الناحية اللغوية. فأين هو ذبح حيوان من تقديم هدي. وبناء على هذا هل يتفق ذبح ملايين وملايين المواشي كل عام في عيد الأضحى مع رسالة الإسلام الأصلية ؟ إنه سؤال جوهري يجب أن يتفكر فيه كل من يؤمن بالله ويخشاه.

وللتذكرة ، يروى فِي السّنَنِ أن الرسول ﷺ ضحى في حجة الوداع عمن لم يضح من أمته ممن شهد بالتوحيد والبلاغ. هذا الصنيع يضاهي كل أضاحي الحيوانات التي تمّت منذ ذلك الحين وحتى قيام الساعة. أي في يوم عيد الأضحى ، يمكن لكل مسلم أن يكتفي بهدي أيا كانت طبيعته دون أن يكون ملزما بالذبح أو النحر : { لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ }[69].

 

{ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ }[70]. المسلم الحق لا يزدري أي كائن ، فلا يحقره ولا يهينه ولا يسيء معاملته أبدا ، ولا يروّعه ولا يسجنه ولا يقتله بدون مبرر وجيه وشرعي ناهيك عن أن يكون ذلك عبثا أو استلذاذا. وحتى في حاجته للتغذي لا يحق له أن يقتل حيوانا باستخفاف بل يجب عليه أن يذكر اسم الله ويراعي جديّة وجسامة العملية وهو واع بخصوصيتها كتضحية. فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون.

 

{ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ 23 } [71].

 

فالإســلام إذاً يـحـث على توخي الوسط والاعـتـدال في كل شيء بعيــدا عن كل أشكال التطــرف. { يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ }[72]. تغطية الرأس أو إطلاق اللحية وارتداء القميص/الدافة ، أو البوبو أو الجلاب والحجاب أو النقاب أو البرقع أو التشادور، كل ذلك ناتج عن التقاليد والتآويل ولا شأن له برسالة الإسلام الأصلية كدين. بل على العكس ، هذه المظاهر جميعا تسيء اليوم إلى سمعة الإسلام والمسلمين وتؤذيهم لا سيما في الدول غير الإسلامية ، وهي في نظر الكثير مرادفة للانغلاق الفكري والطائفية والاستفزاز والعدوان.

المسلم العالم والمسؤول والواعي بحقيقة الإسلام لا يمكنه بأية حال من الأحوال أن يدعم أن يكون تفشي هذه المظاهر الخارجية هو المُعبِّر عن الإسلام. إسلام النور الذي كان وراء نشوء العلوم الحديثة أُلْبِس رداء التقاليد العقائدية ليتحول إلى دين طقوس رجعية متخلف ما كان لها أن تخرج من الماضي. يجب أن يعود المسلمون إلى رسالة الإسلام الأصلية ، إسلام العلم والحضارة والتقدم ؛ كما يجب عليهم أيضا أن لا يُلقوا بأنفسهم إلى التهلكة وأن يحفظوا دينهم وأنفسهم من الأذى ومن كل حكم مسبق ضار.

فعبادة الله لا تتجسد بملابس غريبة تلفت الأنظار ولا بطقوس وشطحات تخدع الأبصار ولا بإيماءات وهمية وبكلمات تلفيقية وبتضحيات بَخْسة زهيدة. عبادة الله تتجسد في قرار صائب يعقبه عمل صالح. عبادة الله والتقرب إليه هو أن تحب خلقه وتخدمه وتعمل صالحا وتكون نافعا غير عقيم. المسلم والمؤمن والملتزم هو الذي يكون سليم القلب مطمئن النفس يفشو السلام والأمن والأمان ، يحسن للناس فتطمئن له القلوب وتركن إليه الأفئدة ، يعيش ويموت في أمن وسلام.

{ وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ (…) 143 }[73] ، { وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُــونَ ٱلرَّسُــولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ (…) 78 }[74] ، { (…) يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُـمُ ٱلۡعُسۡرَ (…) 185 }[75].

والمسلم يعاهد الله على أن يؤمن به مخلصا له الدين. إنه يسارع في الخيرات وهو محسن ، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو الناس إلى الله والإصلاح والعدل. له في الحياة الدنيا نصيب والآخرة خير وأبقى وإن خير الزاد التقوى. فالمؤمن الحق هو الذي يستشعر وجود الله ، ولا يشتغل بسواه ، في كل حال إن نام أو قام ومتى عمل أو استراح ، في حالة المرض أو الصحة، في شبابه وشيخوخته  فهو يعيش مع الله ويتطلع إليه ، فلا يموت إلا وذكر الله  في قلبه وعلى شفتيه. هذا المؤمن له الدنيا والآخرة. فالمؤمن الذي يقبل على الله ويحيا في حضرته ، يعيش في سلم وسلام ، وكله رضى واطمئنان مع بني جنسه ، سلام مع الأحياء ومع الوجود كله ، سلام مع الله الرحمن الرحيم. أولئك هم المقسطون.

على المسلمين الرجوع إلى رسالة الإسلام الأصلية والخالدة ليكوّنوا أمة وسطا ، أمة { ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ 1 خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ 2 }[76] ، مُستنيرين في ذلك بما علّمهم الله. عليهم أولا أن ينفضوا ما اعتراهم من الاحباط والخوف ولا يتهاونون ، بشتى الطرق والوسائل ، عن التنديد بكل ما وكل من يشوّه دينهم بالحقد والعنف إذ على عاتقهم تُلقى مسؤولية الصحوة واستعادة حقيقة الإسلام الأصلي والتعريف به أمام العالم. فالإيمان بالله مقرون بالعمل الصالح وبالإحسان ، فلا إيمان بلا عمل ، ولا عمل بلا إيمان.

{ كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ 110 }[77].  { وَٱلۡعَصۡرِ 1 إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ 2 إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ 3 }[78].

* * *

إن الإنسان بكل ما أوتي من المعرفة يشعر بالحاجة إلى تغذية روحه ، ولابد من تلبية سعيه الروحي هذا في الوقت الذي تدفّـقـت فيه موجة من طوائف يهودية مسيحية وأخرى مستلهَمة من معتقدات الشرق الأقصى كالبوذية أو الهندوسية. وقد تمت محاولات تسعى إلى إضفاء صبغة روحية على المادية وأخرى تسعى إلى إضفاء صبغة مادية على الروحانية لكنها باءت بالفشل. وكذلك هي حال الطائفية في أوساط المسلمين المنحرفين ، لكن رسالة الإسلام الأصـلـيـة هي هدايـة الإنســان لـيـدرك ما يميز بشريتـه والغايـة من وجوده. { (…) وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا 2 وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا 3 }[79].

 

SCDOFG (طلوع الشمس من مغربها (2018

 

[1] 570-632 م.

[2] سورة الشورى ، الآية 52.

[3] سورة العنكبوت ، الآية 48.

[4] سورة الضحى ، الآية 4-11.

[5] سورة الأحزاب ، الآية 40.

[6] سورة المائدة ، الآية 3.

[7] سورة آل عمران ، الآية 19.

[8] سورة الإخلاص ، الآية 1-4.

[9] سورة المائدة ، الآية 3.

[10] سورة النور ، الآية 35.

[11] سورة الزمر ، الآية 41.

[12] سورة الروم ، الآية 30.

[13] سورة العلق ، الآية 1-5.

[14] سورة البقرة ، الآية 31.

[15] سورة النحل ، الآية 27.

[16] سورة الروم ، الآية 56.

[17] سورة الأعراف ، الآية 176.

[18] سورة الحشر ، الآية 21.

[19] سورة يونس ، الآية 24.

[20] سورة البقرة ، الآية 219.

[21] سورة آل عمران ، الآية 191.

[22] سورة يونس ، الآية 5.

[23] سورة الروم ، الآية 22.

[24] سورة العنكبوت ، الآية 43.

[25] سورة فاطر ، الآية 28.

[26] سورة العنكبوت ، الآية 49.

[27] سورة المجادلة ، الآية 11.

[28] سورة الروم ، الآية 56.

[29] سورة الحج ، الآية 54.

[30] سورة الإسراء ، الآية 89.

[31] سورة الحشر ، الآية 21.

[32] سورة الشعراء ، الآية 23-24.

[33] سورة الصافات ، الآية 4-5.

[34] سورة النحل ، الآية 49-50.

[35] سورة الحجر ، الآية 9.

[36] سورة الواقعة ، الآية 77-80.

[37] سورة البروج ، الآية 21-22.

[38] سورة الروم ، الآية 41.

[39] سورة النساء ، الآية 26-28.

[40] سورة الصف ، الآية 9.

[41] سورة المائدة ، الآية 77.

[42] سورة البقرة ، الآية 31.

[43] سورة الأعراف ، الآية 179.

[44] سورة البقرة ، الآية 30.

[45] سورة البقرة ، الآية 30.

[46] سفر التكوين- الإصحاح الثالث ، الآية 6.

[47] سورة طه ، الأية 43-44.

[48] سورة الأعراف ، الآية 12 وسورة ص ، الآية 76.

[49] سورة الحجرات ، الآية 13.

[50] سورة الأنعام ، الآية 132.

[51] سورة القدر ، الآية 3.

[52] سورة البقرة ، الآية 85.

[53] سورة الفرقان ، الآية 29-30.

[54] حوالي 700.

[55] بعد سنة 680.

[56] سورة النحل ، الآية 90.

[57] سورة آل عمران ، الآية 105.

[58] سورة الروم ، الآية  31-32.

[59] سورة الحج ، الآية 8.

[60] سور آل عمران ، الآية 191.

[61] سورة النجم ، الآية 3-4.

[62] في أغلب الأحيان وُجِّه هذا الأمر للنبي ﷺ.

[63] سورة الجاثية ، الآية 6.

[64] أربع عشرة مرة في المفرد ومرتان في الجمع.

[65] سورة البقرة ، الآية 208.

[66] سورة آل عمران ، الآية 7.

[67] سورة الزمر، الآية 18.

[68] سورة البقرة ، الآية 179.

[69] سورة الحج ، الآية 37.

[70] سورة الأنعام ، الآية 38.

[71] سورة الزمر ، الآية 23.

[72] سورة الأعراف ، الآية 26.

[73] سورة البقرة ، الآية 143.

[74] سورة الحج ، الآية 78.

[75] سورة البقرة ، الآية 185.

[76] سورة العلق ، الآية 1-2.

[77]  سورة آل عمران ، الآية 110.

[78]  سورة العصر، الآية 1-3.

[79]  سورة الطلاق ، الآية 2-3.

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لمؤسسة حفظ و نشر أعمال السيد فريد قبطاني